أخبار وطنية الناشط السياسي والحقوقي صالح الزغيدي: حكومة الصيد فيها تجاوز خطير لـمقتضيات الدستور
السبسي يريد تسيير شؤون البلاد من قصر قرطاج لا من القصبة..
أسخف على أصدقائي اليساريين ممن فقدوا الروح والضمـيـر بتـربّعهـم فـي الحكـم مـع النهضـــة
موقف الجبهة الشعبية مشرّف..والحكومة ستكون «انتقالية جدّا..جدّا»
وسط ارتفاع أصوات مساندة وأخرى منددة لحكومة الصيد واختلاف الآراء والقراءات حولها، حاورت أخبار الجمهورية صالح الزغيدي الناشط السياسي والحقوقي المعروف بشراسة وصلابة مواقفه خاصة المناهضة للإسلام السياسي ولإشراك حركة النهضة في الحكم، وذلك لتسليط الضوء حول موقفه من الحكومة وتمثيل النهضة فيها وعدة مواضيع أخرى تتابعونها فيما يلي..
ما رأيك في الظروف التي حفت بتكوين الحكومة وتركيبتها ؟
أود أن أؤكد أن ما حصل في الأسابيع الأخيرة والذي أفضى إلى تشكيل الحكومة وحصولها على ثقة مجلس نواب الشعب، يمثل تطورا خطيرا وعلى غاية من الأهمية...فالحكومة ليست حكومة السيد الحبيب الصيد وليست حكومة حزب نداء تونس وهو الحزب الذي يؤهله الدستور لتكوين الحكومة باعتباره الحزب الأكثر تمثيلا في المجلس..ان ما وقع هو تجاوز خطير لمقتضيات الدستور.
إن السيد الباحي قائد السبسي رئيس الجمهورية تصرف وكأن تونس في نظام رئاسي في حين أقر دستور البلاد نظاما برلمانيا معدّلا والسيد رئيس الجمهورية هو الذي اختار السيد الصيد وكلفه بتكوين الحكومة بالتشاور معه، وفرض ذلك على حزب نداء تونس في الوقت الذي انتهت فيه علاقته بهذا الحزب بعد انتخابه رئيسا للجمهورية واستقالته من الحزب المذكور.ومن الواضح أن السيد السبسي عاقد العزم على عدم الاكتفاء بالصلاحيات المحدودة والمضبوطة التي حددها الدستور، بل يريد تسيير الدولة وشؤونها من قصر قرطاج وليس من القصبة.
وهل كان اختيار الحبيب الصيد، رئيسا للحكومة القرار الأنسب؟
لقد وقع اختيار شخصية من الدرجة الثانية لا علاقة لها بالعمل السياسي ولا يمكن للصيد أن يكون الرجل السياسي القويّ والمحنك القادر على تسيير البلاد في المرحلة الصعبة القادمة.وجاءت تركيبة حكومة السيد السبسي في غالبية أعضائها نسخة مطابقة لرئيسها..
والحقيقة أنه يخطىء من يتصور أن هذه الحكومة هي التي ستقود البلاد وتتخذ الإجراءات والقرارات الجريئة والمريرة أحيانا في جميع المستويات....وستكشف الأيام والأسابيع القادمة أن السيد الوزير الأول سيكون في واقع الأمر «كاتب دولة للرئاسة» كما كان الوضع مع الرئيس الراحل بورقيبة ما بين 1957 و1971.
كيف تفاعلت مع وجود أعضاء من النهضة في الحكومة ؟
لقد استغرب العديد من الملاحظين ومن المواطنين أيضا هذا الأمر..إن الحملة الانتخابيةالتشريعية والرئاسية خاضها نداء تونس والسيد السبسي على أساس مواجهة كاملة للنهضة والخطر الذي تمثله على البلاد ومكتسباتها.
وطالب السبسي من الناخبين والناخبات التصويت لفائدته وفائدة حزبه بكثافة حتى يقع تخليص البلاد من هؤلاء «الماضويين الذين يريدون العودة بالبلاد إلى القرون الغابرة» فوجد المواطن الذي أعطى صوته للسبسي نفسه أمام مشهد سكيزوفراني : السبسي يتحالف ويحكم مع «عدو الأمس» الذي يريد العودة بتونس إلى الوراء..
وانتشرت حالة من الغضب وعدم الرضاء في صفوف قيادات نداء تونس نفسها وهدد البعض بالاستقالة، واستقال البعض الأخر فعلا..ومن الواضح أن الأسابيع القادمة ستكشف عن تطورات خطيرة داخل هذا الحزب، بعد أن أصبح من البديهي أن السبسي أسس هذا الحزب مند أكثر من سنتين وهدفه الرئيسي من ذلك الوصول الى قرطاج..
لكن بعض الوجوه المحسوبة على اليسار باركت وجود النهضة في الحكومة؟
لنكن صريحين، لقد حشر السبسي بعض الوجوه السياسية في حكومته من أجل تسهيل تمرير وجود وزراء من النهضة «بحيث شويه يمين وشويه يسار، هكاكا الحربوشة تمر بأكثر سهولة». أما هؤلاء اليساريون ومن بينهم أصدقاء لي، والذين قبلوا التربع على كرسي الحكم إلى جانب النهضويين، فاني بكل صدق «نسخف عليهم» ولا يمكن أن أبارك لهم هذا الصنيع الذي أفقدهم أعز ما يملكون : الروح والضمير...
ما هي قراءتك لموقف الجبهة الشعبية ورفضها المشاركة في حكومة السبسي؟
كثر الحديث عن الجبهة وحاول العديدون، خاصة في أوساط من نداء تونس أو متعاطفون معه، تحميل الجبهة الشعبية مسؤولية لا طاقة لها بها ولا ناقة ولا جمل فيها... أن ترفض الجبهة وكل يساري تقدمي معاد للفكر الاخواني الظلامي المشاركة في حكومة تشتمل على أعضاء من ذلك الحزب، فهذا أمر طبيعي ومشرف بالنسبة ليسار تونسي قاوم الدكتاتورية تحت حكم بورقيبة وبن علي.
ولا يمكن أن يتصور أي عاقل أن يسارا مثل هذا يمكن أن يتحالف ويحكم بعد سقوط الدكتاتورية مع قوى ظلامية رجعية، حكمت البلاد فخرّبتها وجعلت منها ساحة للعنف والإرهاب والاغتيالات السياسية وتصدير الإرهابيين إلى سوريا لتخريبها وقتل شعبها... إن من يعتقد أن لليسار مكانا في حكومة السبسي ـ الغنوشي، إما انه لا يفقه شيئا في اليسار أو انه لا يريد له خيرا...
ما هو تعليقك عن برنامج الحكومة الجديدة وكيف ترى مستقبلها؟
الحقيقة أننا إذا رجعنا للمحادثات والمشاورات التي جرت ـ ولمدة طويلة ـ بين مختلف الفرقاء ، نلاحظ أنه لم يقع التطرق لبرنامج الحكومة المزمع تكوينها: أي منوال تنمية سيقع إتباعه؟ أية سياسة وأية استراتيجية سيقع انتهاجها في علاقة الحكومة مع الصناديق والمؤسسات المالية العالمية؟ أي بديل لسياسة الدعم الحالية ؟ كيف العمل لضبط سياسة تشغيل إرادية وجديدة؟ كيف يقع ضبط سياسة كاملة ومدمجة لمقاومة الإرهاب ؟ كل هذه القضايا وغيرها غابت تماما عن «مفاوضات» المتفاوضين الذين ركزوا كل جهودهم على تقاسم الكراسي في الحكومة وكل ما يحوم حول هذا الموضوع الجوهري في نظر هؤلاء (بحيث نكونو الحكومة ، ومن بعد نشوفو البرنامج)..
ويتأكد انعدام وجود برنامج فيما تقدم به السيد الصيد أمام مجلس نواب الشعب حيث اكتفى بمجموعة من العموميات تجعلك تتساءل عما يترقب البلاد في السنوات الخمس القادمة، والحكومة تفتقد تماما إلى تصورات ورؤى ومشاريع كبرى تشمل كافة الميادين وكافة مناطق البلاد...إن المرء يجد نفسه مضطرا للقول ان هذه الحكومة تكونت وتشكلت وكأنها مدعوة إلى أن تكون «حكومة تسيير أعمال». فهل ستكون هي الأخرى انتقالية ...وانتقالية جدا جدا...؟
حاورته: منار تليجاني